Abir Kopty مدوّنة عبير قبطي

You will never be free until you respect the freedom of others

رحلة الأيام الثلاثة

1 Comment

ثلاثة ايام عيد الفطر، خصصناها انا وصديقتين للتجوال في شمالي فلسطين، رحلة الثلاثة ايام لم تكن مخططة، فاجمل الرحلات تلك التي لا نخطط لها!
قضينا يومنا الاول في حيفا، اجمل مدن فلسطين، في قهوة حاراتية صغيرة ومن ثم انطلقنا الى البحر.. قضينا على الشاطئ وقتا لا بأس به ولم نغادر الا بعد ان شاهدنا الغروب. وعندما تكون في حيفا، لا بد من سهرة في احدى مطاعمها العربية في شارع “ابو النواس” الاسم العربي الذي اطلقه الفلسطينيين على ما يسمى “جادة بن غوريون” والذي حوله طلائعيون فلسطينيون، افتتحوا فيه مطاعم ومقاهي الى شارع يعج بالحياة الليلية. هناك، تلتقي اصدقاء لم تلتقيهم لسنوات، وتبادل التحية لنصف من يجلس في المطعم، لكل مكان زبائنه المخلصين، والكل يعرف الكل.

في يومنا الثاني، انطلقنا بدون أية خطة واضحة، كل ما عرفناه اننا نود الذهاب الى شلالات بانياس في الجولان المحتل، لنمشي ونعوم، عندما وصلنا، وجدنا ان السلطات الاسرائيلية المسؤولة عن المحميات الطبيعية تمنع السباحة وتطلب رسوم دخول. أزعجنا الأمر، فتنازلنا عن الدخول. وقررنا البحث عن مكان آخر، في الطريق ذكرت احدى الصديقات قرية الغجر، فقلنا الى قرية الغجر نذهب! تقع القرية على الحدود مع لبنان، نصفها في لبنان ونصفها الآخر في “إسرائيل”، على مدخل القرية وجدنا حاجزا عسكريا إسرائيليا، ممنوع الدخول او الخروج إلا لسكانها، ورغم الجدال والنقاش لم يسمح لنا الجنود بالدخول. فشلان ذريعان منذ بداية النهار!

من هناك انطلقنا باتجاه قرى الجولان السوري المحتل، مسعدة، مجدل شمس وبقعاتا. كانت الطريق الى هناك طويلة، لكنها جميلة، طبيعة نقية الا من مستوطنات الجولان. تطل الطريق الى مسعدة من الاعلى على قرية مجدل شمس، ثم يطل امامك جبل الشيخ الخالي من الثلوج، لا يمكن وصف هذا المنظر بالكلمات!

اعترفنا لانفسنا بمفارقة اننا كفلسطينيات نتمتع بامتياز زيارة هذه الماكن فقط لأنها محتلة من قبل إسرائيل. وحَلِمْنا بحدود مفتوحة بين فلسطين التاريخية وسورية كي نتمكن من السفر مباشرة من هنا الى دمشق! واصابنا الحنين الى الطفولة، عندما كانت الرحلة العائلية الى جبل الشيخ، حدثا في غاية الاهمية!

بحيرة رم، مسعدة، الجولان السوري المحتل

وصلنا الى “بركة رام” (انا افضل تسميتها “بحيرة رام”، لاني ارى بأن وصفها بالبركة فيه شيئا من الاهانة)، هذه البحيرة لم تمسها بعد ايادي الاحتلال الاسرائيلي لتحويلها لمعلم سياحي تجاري! لا زالت طبيعية وهادئة. هناك تجد ما يقال عنه سلاما مع الطبيعة، انت لوحدك مع البحيرة، لا شيء يزعجك. يمكنك ان تترك كل شيء جانبا، حتى السياسة، وتحظى بلحظات لك لوحدك.

تذكرت هناك كم انا ممتنة لوالدي، ففي طفولتي اعتادا اخذنا في رحلات “اعرف بلدك”، احيانا الى اماكن طبيعية، شلالات وأنهر، واحيانا الى المناطق الحدودية مع سورية ولبنان، واحيانا كثيرة الى قرى هُجِّرَت عام 1948. كنت ارى في والدي حينها “موسوعة” فلسطين، كان يعرف اسماء الامكان والقرى المهجرة وقصصها.
اتذكر جيدا زياراتنا للقرى المهجرة والبحث عن اشياء تدل عمن عاشوا فيها، الغابسية والبصة مثلاً، او سحماتا، اقرث وبرعم وغيرها.

وربما لهذا السبب وجدتني مندفعة في رحلتي هذه مع صديقاتي لزيارة ما امكن من القرى المهجرة في طريقنا للسفر من الجولان الى عكا.
كانت طريق عودتنا طويلة اذ قررنا اتخاذ مسلك اخر بحيث نمر من مجدل شمس وبقعاتا، ومن هناك نتجه الى عكا، كانت الطريق خضراء خالية من الناس وجميلة، افسدتها مشاهد الدبابات ومعسكرات الجيش الكثيرة التي وجدناها في الطريق، كانت كثيرة الى درجة دفعتنا للنقاش والتكهن حول ما اذا كانت هناك حربا قريبة قادمة. هكذا عدنا، رغما عنا، الى السياسة!
لم اكن اعرف الى اي قرية مهجرة نحن ذاهبات، الى ان ارسل لي صديقا صورة لبقايا بيت في قرية ميرون المهجرة، نظرنا الى الخارطة، ميرون في طريقنا. إلى ميرون إذاً!

وصلنا ميرون تماما مع الغروب، على انقاضها اقيمت ميرون اليهودية، دخلنا من خلال حاجز حديدي كان مفتوحا لحظتها، صعدنا نحو اعلى المنطقة، البلد يسكنها المتدينين اليهود، والذين يبدون لي بالمتطرفين. لم نستطع رؤية المنزل، لكننا وصلنا الى الاعلى. وجدنا في قمة التلة حائطا تبقى من بيت، الصعود له من خلال ادراج صخرية، تمر بين ابقار ترعى. كان الظلام يشتد، صعدنا ووصلنا الحائط، لعلنا نرى من هناك البيت الذي نبحث عنه، لكننا لم نجده، بل وجدنا شابان متدينان يجلسان هناك.

عدنا الى السيارة لنستقلها بحثا مرة اخرى عن ذلك البيت. سرنا في شارع صغير، الى ان رأيناه، هناك في اعلى التلة من الجهة الأخرى. لكي نصل اليه علينا أن نصعد التلة. كان الظلام قد اشتد أكثر فأكثر، و لا احد هناك سوانا وسوى صراخ اولئك الشابين الذين كانا في اعلى التلة، كانا يصرخان كلاما غير مفهوم. عندما بدأت بصعود التلة، همست صديقاتي بطلب الرجوع والمغادرة. لم اكن ادرك انهما رأيتا نفس الشابين ينزلان من الطريق التي اتخذتها. كان الامر مخيفا، فقررنا المغادرة. لم نفعل ذلك إلا بعد ان نجحنا في رسم علم فلسطين على احدى اللافتات في المكان. لم نتمكن من الوصول إلى البيت، لكني سأعود إلى هناك قريبا!
محطتنا الاخيرة في يومنا الثاني كانت في عكا، عكا التي لا رائحة تشبه رائحة بحرها. في عكا القديمة مطعم ومقهى “بيت مها”، بيت فلسطيني قديم يطل على البحر، تناولنا عشاءنا، تمشينا على الشاطئ وعدنا الى حيفا.

خصصنا يومنا الأخير لمدينتي الناصرة! ورغم مناكفة بعض الاصدقاء الذين ادعوا ان لا شيء للزيارة في الناصرة (لأنها مدينة بلا بحر)، إلا أنني أردت أن تراها صديقتي من خلال أعيني أنا، فلم أكن افكر في زيارة كنائسها الشهيرة أو جوامعها العريقة، رغم أن سياحا من جميع بقاع الأرض يقصدونها لأجل هذا الغرض.

عين صفورية المهجرة

في طريقنا الى الناصرة عرجنا على قرية صفورية المهجرة، والتي هجر غالبية سكانها عام 48 الى الناصرة وشفاعمرو. في شمالي الناصرة، يسكن غالبيتهم في حي يسمى “صفافرة” نسبة الى “صفورية”، يطل اهل الصفافرة من حيهم على قريتهم صفورية والتي تبعد عنهم بضع كيلومترات، لكنهم محرومون من العودة لها.
صفورية قرية جميلة جدا وكبيرة جدا، على قسم من أراضيها اقامت إسرائيل كيبوتس “تسيبوري” والقسم الثاني حولته الى منطقة طبيعية للزيارات والرحلات فقط. زرنا برفقة صديق صفوري منطقة أثرية قرب دير للراهبات داخل الكيبوتس، لا زال موجودا. وفي طريق الخروج ذهبنا لتفقد النبعة التي اعتاد أهل صفورية ومن ثم أهل الصفافرة التزود بالمياه منها. العين لم تعد العين التي عرفها أهلها، هناك من يقوم بتخريبها وتجفيفها ببطئ. حتى الاحجار والمياه لم تسلم هنا من التطهير العرقي!
بعد صفورية جاء دور مكاني المفضل في الناصرة، بلدتها القديمة. هي بلدة ساحرة بازقتها الصغيرة وبيوتها القديمة، عندما تسير هناك تشعر بأنك في عالم آخر. ورغم حبي لهذا المكان إلا انني احزن لاهماله وعدم تطوره، لقد اصبح مكانا فقيرا يعاني من مشاكل اجتماعية عدة، ورغم أنه يعد كنزا تاريخيا وسياحيا، إلا أن لا حياة فيه، وجزء كبير من بيوته مهجورة، أما سوقه الذي كان يوما منتعشاً ومكتظاً، أُقفلت غالبية حوانيته. على الرغم من ذلك، لم أتخلى عن أملي برؤية الحياة تعود لهذا المكان يوما ما.

كانت استراحتنا في مقهاي المفضل، “الرضا”، في البلدة القديمة، وهناك طلبت من النادل أن يأخذنا إلى الطابق الثالث حيث الجناح الفندقي المصنوع من الخشب. جماليته ليس فقط بتصميمه، بل بالمنظر التي يطل عليه، فشبابيكه تطل على كنيسة البشارة، احدى أهم المعالم السياحية في الناصرة، وشرفته تطلعلى البلدة القديمة بسطوحها القرميدية.

مرج ابن عامر، مشهد من قمة جبل القفزة

أصررت أن لا نغادر الناصرة قبل أن نشاهد الغروب من أجمل مواقعها، جبل القفزة، من أعلى المواقع ويطل، ربما، على نصف فلسطين. تختلط الوان مرجابن عامر مع البحر والشمس البرتقالية، لا روعة بعد هذه الروعة.

كانت خاتمة جميلة لرحلة الأيام الثلاثة، انطلقنا بعدها عائدات إلى القدس ورام الله.
صحيح أني قلت في البداية أن أجمل الرحلات تلك التي لا نخطط لها، لكني انصح، وبشدة، لكل من يريد ويستطيع القيام برحلة كهذه، أن يتبع خطتنا!

تنبيه: لا اقصد من هذا المقال أن أغيظ أي فلسطيني محروم من العودة إلى فلسطين، أرجو ان يساهم هذا المقال في تعزيز اصراركم على العودة، لأن فلسطين جميلة وتستحقكم.

اضغط هنا للمزيد من الصور، تصوير ديانا الزير

Author: abirkopty

Palestinian social, feminist and political activist.

One thought on “رحلة الأيام الثلاثة

  1. وصف مختصر وجميل جدا، وأنا سعيد أن ديانا استطاعت أخيرا الوصول إلى حيفا وعكا والاستمتاع بشواطئ فلسطين، وكنت أود رؤية الصور التي صورتها لكن الصفحة ليست متاحة للجميع. ويبدو لي أنني أعرف من كان معكما من القدس ، لا بد أنها أ. ر. ح. فتحياتي لكن جميعا، مع تمنياتي ودعواتي بزوال الاحتلال وكل داعميه.

    تصحيح خطأ شائع: أصريت خطأ، والصواب أصررت، مثل: أعددت واستعددت واستقللت ومررت.

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s