Abir Kopty مدوّنة عبير قبطي

You will never be free until you respect the freedom of others

(5)مصر، فلسطين، حنكمل المشوار

Leave a comment

حرية، حرية

أذكر التحرير والثورة بتفاصيلها الصغيرة حتى هذه اللحظة، اذكر أني بحثت طيلة يوم الثلاثاء عن علم فلسطين كي ارفعه في التحرير، ولم أجد. كان الناس يسعدون كثيراً حين يعرفون أني فلسطينية يرحبون بي، وبعضهم كان يقول لي “إحنا نحرر مصر بقى، وبعدين نحرر فلسطين”، فكنت أجيب ممازحة بالمصرية “احنا مستنيينكم”.
يوم الأربعاء تغير الأمر. لم يعد آمناً أن تقول انك فلسطيني، أو أن تخرج إلى الشارع أصلاً. ولكن أعود لمساء الثلاثاء، الأول من شباط، مساء المظاهرة المليونية، حيث قام الجيش باعتقال صديقتي المصرية. واضطررت بطلب من الأصدقاء أن أذهب إلى البيت لأني أنا أيضاً معرضة للاعتقال. حينها أدركت أن فلسطينيتي، ربما تكون تهمة لدى الجيش. في هذه الليلة قدم حسني مبارك خطابه الثاني. والذي أثار الكثير من الجدل بين المصريين، فمنهم من رأى في الخطاب ديماغوغيا تخاطب العاطفة ولن يتراجعوا عن مطلبهم بتنحيه، ومنهم من حزن لرؤية رئيس بلاده مكسوراً ومهزوزاً، ويكفي ما حققته الثورة إلى هنا. مرة أخرى نخلد إلى النوم خائفين على عزيمة الثورة.


يوم الأربعاء صباحاً، نزلت إلى الشارع المجاور لاشتري بعض الحاجيات، فلمست التغير في المزاج، وسمعت النقاشات في صفوف الذين كانوا قبل يوم على نفس الرأي. وكانت الشوارع بدأت تشهد مجوعات متفرقة مؤيدة لمبارك. كان في الجو الكثير من التوتر.
وبعد ساعات اتضحت الصورة، فقامت جماعات من بلطجية النظام بالاعتداء على المعتصمين في الميدان بالجمال والخيول والأسلحة البيضاء وكرات النار. وقد رافق الاعتداءات، أيضاً موجة من العداء والاعتداءات على الأجانب. وهنا أيضاً أصبحت فلسطينيتي تهمة. كنت أتلقى المكالمات من الأصدقاء في الميدان يطلبون مني عدم الخروج من البيت وعدم الاقتراب من الميدان، حيث أخبروني بأن بلطجية النظام ينادون في الميدان بان يتم تسليم كل فلسطيني أو إسرائيلي إلى الجيش. أصبح الفلسطيني في نفس خانة الإسرائيلي، خانة المشتبه بهم! وفي ساعات المساء وضع البلطجية الحواجز في محيط الميدان، وفي الشوارع القريبة من حيث أمكث، وصاروا يوقفون كل من يشتبهون بأنه أجنبي، يفتشونه ويطلبون الجواز ويسلمونه للجيش. كانت هذه نتيجة التحريض وغسيل الأدمغة الذي قام به النظام وإعلامه الرسمي لتشويه صورة الثورة واتهام الثوار بأصحاب الأجندات الأجنبية.
استمرت جماعات البلطجية التدفق إلى الميدان ورأينا العديد منها تمر من الشارع حيث أمكث، كانوا يهتفون شعارات مؤيدة لمبارك وتتهم الثوار بالخيانة، يحملون أعلام مصر بيد والعصي بيد أخرى. كانت هذه أطول وأصعب ليالي الثورة. لكنها في نفس الوقت، شكلت الإجابة لكل من فكر في الصباح بأنه “يكفي إلى هنا”.
لقد عادت الثورة إلى مسارها الطبيعي، حيث أدرك الجميع أنه لا يمكن، في أي حال من الأحوال، الثقة بالنظام أو من يقف على رأسه، ونزل الملايين في اليوم الثاني، ومنهم من نزل لأول مرة ليعبر عن غضبه من اعتداء النظام على الميدان.
لقد ودعت مصر يوم الخميس، رغماً عني. ودعت الأصدقاء مع كثير من الدموع، قلت لهم اني مدينة لهم بثورة، وأنهم سينتصرون وأني سأعود قريبا، وأني أحب مصر، وأني فخورة بأني عربية. ودعت والدة صديقتي، بكيْتُ وبَكَت، هي التي لا يغيب عن بالي هتافها ذات صباح “مش حنسلم مش حنطاطي، أحنا كرهنا الصوت العالي”.
ليلة تنحي مبارك، اتصلت بالأصدقاء المصريين مهنئةً، كانوا يحتفلون في التحرير، أخبروني حينها أن الناس كانوا يهتفون في الميدان “مصر، فلسطين، حنكمل المشوار”. نعم يا مصر، نكمل المشوار، فنحن وانتم، وكل الشعوب العربية، في تونس الحرة، ليبيا النازفة، اليمن والبحرين وسوريا، مهما طال الزمان، على موعد مع الحرية.

(انتهى)

Author: abirkopty

Palestinian social, feminist and political activist.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s