Abir Kopty مدوّنة عبير قبطي

You will never be free until you respect the freedom of others

(2)أن تعيش الثورة

1 Comment

جمعة الغضب

كان حديث الجميع يومي الأربعاء والخميس متّسما بالترقب والقلق والانفعال مما سيحدث يوم الجمعة، جمعة الغضب.

مساء الخميس حجب موقع الفيسبوك والتويتر، ثم بعدها حجب الانترنت بالكامل، وحجبت الرسائل النصية ليلا، ثم قطعت كافة خطوط الهواتف الخلوية.

استيقظنا أنا وصديقتي صباح الجمعة الباكر على صوت والدتها تمشي في البيت وتهتف بصوت عالٍ “مش حنسلم مش حنطاطي، إحنا كرهنا الصوت العالي” و “تحيا مصر”، وفي ذلك اليوم شارك والدا صديقتي لأول مرة في حياتهما في مظاهرة احتجاجية.

انطلقنا إلى ميدان مصطفى محمود، حيث الجامع، فقد اتفق ان تنطلق المسيرات من عدة ميادين وجوامع في القاهرة فور انتهاء صلاة الجمعة، على أن تصل جميعها إلى ميدان التحرير. في زيارتي الأولى للقاهرة، صرت أعرف جميع ميادينها.. إنها الثورة.

لقد كانت الشوارع هادئة، وصلنا باكرا، اشترينا صحف المعارضة، لم ترضَ حينها صديقتي أن أشتري صحف النظام لأنهم يقاطعونها، وذهبنا إلى احد المقاهي بالقرب من الميدان لنلتقي بمجموعة كبيرة من الشبان والشابات النشطاء، هناك رأيت وجه الشباب المصري الذي تحدث عنه الجميع بعد ذلك، الذي صنع وفجر هذه الثورة.

حيّا إمام الجامع في خطبة الجمعة الشباب المنتفض وعلا تصفيق المعتصمين الذين احتشدوا، منهم من يصلي ومنهم من ينتظر بهدوء انتهاء الصلاة. لن أنسى ذلك المشهد: فما أن أنهى الإمام آخر كلمة من صلاته، حتى انطلقت آلاف الحناجر مرة واحدة وصوت واحد “الشعب يريد إسقاط النظام”، هذه هي اللحظة التي بدأت أدرك بها أنني أعيش ثورة.

حاول الأمن الذي كان منتشرا في كل مكان محاصرة المتظاهرين، لكنهم لم ينجحوا في ذلك لأن العدد والإرادة كانا أكبر منه. جابت المظاهرة شوارع القاهرة تهتف “تغيير، حرية، عدالة اجتماعية”، و “سلمية، سلمية، سلمية” وغيرها من الشعارات السياسية البعيدة عن الدينية أو الفئوية. وصارت الأعداد تتزايد، كل الفئات، كل الشرائح، كل الأجيال، خُيِّل إلي آنذاك، أن كل مصر خرجت إلى الشارع في ذلك اليوم.

ثم وصلنا إلى ميدان الجلاء، القريب من ميدان التحرير، وقد منعتنا مدرعات وقوات الأمن من الوصول للتحرير للالتحام بمجموعات أخرى وصلت إلى هناك، حيث استخدمت الغاز المسيل للدموع، والرصاص المطاطي، رأينا العديد من الجرحى، لكن أحدا لم يتراجع. اذكر فكاهة الأصدقاء المصريين والذين ردوا على عدم تأثري السريع من الغاز المسيل للدموع قائلين “طبعا، متعودة بقى”.

وبعد مناورات استمرت لساعات بين قوات الأمن والمتظاهرين، اختفت فجأة قوات الأمن، وأعلن في الساعة الخامسة والنصف حظر التجول ابتداء من الساعة السادسة، لم ينصع له أحد ممن سمع عنه أصلا، وبقيت الناس في الشوارع، ثم جاءت الأصوات تنادينا للذهاب إلى التحرير لأن الطريق الآن أصبحت آمنة، فذهبنا، وفي الطريق اكتشفنا أن عشرات الآلاف لا زالوا في الشوارع، أُحرِقت سيارات الشرطة، وأُحرِق مقر الحزب الوطني الحاكم الرئيسي في ميدان التحرير ومقرات عديدة تمثل النظام. بقينا هناك لساعات طويلة، إلى أن غلب علينا التعب وذهبنا إلى شقة صديقة بالقرب من التحرير.

كانت ليلة حافلة، سمعنا نداء المتظاهرين بحماية المتحف الوطني، بعد أن “تعرض للنهب”، ورأينا الشباب يتراكضون إلى هنالك لتلبية النداء، بدأنا نسمع عن حوادث نهب وسرقة واعتداءات على البيوت، فرأينا في الطريق أهالي الأحياء يحرسون أحياءهم، وساهمنا لبعض الوقت في الحراسة معهم.

بعدها شاهدنا خطاب مبارك، الذي بدا فيه متعجرفا ومستهترا بشعبه، الأصدقاء المصريون كعادتهم ردوا على خطابه بخفة الظل وقالوا “لسا مش فاهم”. ليلة لم ينم أحد فيها، ففي الثورات لا ينام الناس، وإن غلب عليهم النعاس، ينامون ليحلموا بنصر قريب ومصر جديدة.

يوم الجمعة، كسر المصريون حاجز الخوف والصمت، وأدركوا أنهم “يسلكون طريق مالوهش راجع”. انجزوا المهمة الأولى، ليتفرغوا يوم السبت لرسم معالم ثورتهم.

Author: abirkopty

Palestinian social, feminist and political activist.

One thought on “(2)أن تعيش الثورة

  1. وعالتلفونات ما رديتي

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s