Abir Kopty مدوّنة عبير قبطي

You will never be free until you respect the freedom of others

رحلة رقم 230190 او 230191 الـى ضـريـح نـاجـي العـلــي

1 Comment

لقد اغتيل هنا…
ودفن هنا…
حيث اعيش الآن…

هنا قال وكتب أسبوعين قبل اغتياله: “اللي بدو يكتب عن فلسطين، واللي بدو يرسم لفلسطين بدو يعرف حاله ميت، أنا مش ممكن أتخلى عن مبادئي ولو على قطع رقبتي”.
منذ أكثر من أسبوعين وأنا أترقب هذه الزيارة وأخطط لها، اعتقدت أنها ستكون سهلة، سأصل المقبرة، سأجد ضريحه بسهولة، سأضع الورود وأجلس هناك لبعض الوقت وأتحدث إليه قليلاً ثم أعود الى لندن… لكن الزيارة لم تكن عادية، تماماً كما لم يكن ذلك الانسان عادياً.
بفضل شبكة الانترنت والغوغل، حصلت على كل المعلومات المتعلقة بمكان الضريح، رقمه (نعم فللمقابر أرقام هنا)، كيفية الوصول إليه، وكل التفاصيل الأخرى اللازمة. الضريح يقع في الجزء الإسلامي من مقبرة “بروك وود”، في منطقة “ووكنغ” والتي تقع في ضواحي لندن وتبعد عن مركز البلد مسافة نصف ساعة في القطار، لا بأس، فأحياناً يحتاج المرء أكثر من ساعة للتنقل من مكان إلى آخر في قلب لندن نفسها. ولكن علي أن أنوه لمن يريد زيارة الضريح، أرجو أن لا يعتمد هذه التفاصيل، فقراءة المقالة إلى النهاية ستعطيكم فكرة أدق عن كيفية الوصول إليه.

يوم ذكرى وفاته، أي 29 آب، انطلقتُ برفقة أخي إياس الذي يزورني هذه الأيام في لندن. كان علينا التوجه من شقتي إلى محطة “ووترلو” في مركز لندن ومن ثم السفر في القطار إلى “ووكنغ”، لم يكن صباحاً عادياً، فقد اضطررنا لانتظار الحافلة التي ستقلنا إلى “ووترلو” وقتًا طويلاً، حيث اتضح أن هناك حادث طرق الأمر الذي أدى إلى إغلاق الشارع المؤدي إلى شقتي لبعض الوقت. بعد أن وصلت الحافلة أخيراً، أقلتنا بضع محطات فقط قبل أن يعلن السائق أن هذه هي محطته الأخيرة، فاضطررنا للسير إلى محطة أخرى لنأخذ حافلة أخرى، مرت من أمامنا، دون أن تتوقف على الرغم من أننا أشرنا للسائق متوسلين. قال لي أخي مازحًا بأن هذه إشارات “للنحس” الذي يحيط هذه الزيارة، وكم كان صادقاً!
وصلنا إلى محطة “ووترلو”، اشترينا البطاقات إلى “ووكنغ”، اشترينا الزهور وانطلقنا. 30 دقيقة مرت وكأنني ذاهبة لموعد هام جداً ومصيري، أنظر إلى الساعة كل دقيقة.
ماذا سأقول له؟ هل أحكي له عما يحدث الآن؟ هل اقول لأبي خالد بأن فلسطين صارت فلسطينين؟ بأن “عين الحلوة” ما زال مخيمًا والشجرة ما زالت مهدمة تشتاق لأهلها؟ هل أحكي له عن الجدار والمستوطنات؟ هل أقول له بأن أمنيته بأن يُدفن في الشجرة لم تتحقق بعد؟ وأنه ما زال هنا في لندن وليس حتى في عين الحلوة؟
لا لن أقول له كل هذا، لماذا أزعجه بتفاصيل مرحلية، مصيرها الزوال؟ ألم يقل هو أنّ “مهمة الكاريكاتير تبشيرية، تبشر بالأمل والمستقبل”، فلماذا أسلبه الأمل؟
لا اعرف ماذا سأخبره، ربما عن الصمود رغم آلية البطش.. وعن أنه حتى الآن لم يجرؤ أحد من القيادات الفلسطينية على التنازل عن حق العودة. سأخبره بان رسوماته ما زالت حية تنبض، وأنها مرجعيتنا كلما أردنا البحث عن فكرة لملصق أو شعار لمظاهرة.

*لا أحتمل هذا المكان أكثر*

بعد أن ركبنا الحافلة لمدة نصف ساعة، من محطة “ووكنغ” الى منطقة قريبة من المقبرة وسرنا على أقدامنا نصف ساعة إضافية، وصلنا المقبرة، مساحتها الكبيرة اذهلتنا، لكنها لم تربكنا، كان كل شيء يبدو عادياً، سنجد الضريح بعد القليل من الوقت، سنزوره لمدة نصف ساعة ونعود. لكن تفاؤلنا هذا لم يكن في مكانه إطلاقا.
لقد بدأنا البحث في كل منطقة رأينا فيها قبوراً اسلامية، لم نجده، تتبعنا الإشارات التي تؤدي إلى المقبرة الأحمدية الإسلامية، وهي، أي الإشارة، الوحيدة التي وُجدت هناك لتدل على جزء إسلاميّ في المقبرة، ولم نجد الضريح هناك ايضاً. بحثنا عن ضريح يرفرف فوقه علم فلسطين، ولم نجده. حاولنا البحث بحسب الأرقام، فلدينا رقم ضريح ناجي العلي، 230190 (والذي يتضح لاحقاً بأنه غير صحيح)، وقد وجدته على شبكة الانترنت، في موقع ناجي العلي وعدد من المواقع الاخرى، ومقتبس في عدد من المقالات، ولكن عبثاً، حتى هذا لم يساعدنا في العثور عليه، فالمقابر غير مرتبة بحسب الأرقام، استمرت محاولات إيجاد الضريح لأكثر من ساعة ونصف، لم نر اثناءها شخصاً واحدًا لنستفسر منه أو نطلب مساعدته.
نظرنا إلى بعضنا، واليأس قد انهكنا، فالتجول بين المقابر كل هذا الوقت، ليس بالتجربة الممتعة، “ولكننا وصلنا إلى هنا، هل يُعقل بأن نعود بدون زيارته”، “وماذا نفعل بباقة الزهور هذه”، “لا يمكن أن نجده في هذه المقبرة الكبيرة”، “لقد تعبنا”، “لا احتمل هذا المكان أكثر”…

Al-Ali grave

*مناضل من أجل الحرية*

تركنا أحدى الأجزاء الإسلامية (والذي بحثنا فيه أكثر من أربع مرات) متوجهين إلى جزءٍ آخر للبحث مجدداً، متفقين بأنها المحاولة الأخيرة. عندها وفي أحد ممرات المقبرة صادفنا سيارة، يستقلها ثلاثة رجال، كان واضحًا بأنهم من عمال المقبرة، فعلى السيارة طُبع اسم المقبرة، اشرنا لهم بالتوقف وسألناهم عما إذا كانوا يستطيعون مساعدتنا في العثور على قبر ناجي العلي، طلب منا السائق الانتظار ريثما يتصل بالمكتب ليرشدونا.
– ما الاسم مرة أخرى؟
– ناجي العلي، رسام كاريكاتير فلسطيني، شخصية معروفة جداً، وقد اغتيل في لندن وهو مدفون هنا منذ عشرين عامًا.
– اعتقد أني سمعت عنه، لقد كان مناضلاً من أجل الحرية (freedom fighter)، أليس كذلك؟
– نعم.
حاول السائق الاتصال بالمكتب عدة مرات، دون ان يجيبه احد، ثم طلب منا دخول السيارة، مقترحاً ان يقلنا الى المكتب، “نفحص هناك اين موقع الضريح ونعيدكم اليه”.
“شكراً لانك أتيت في الوقت المناسب، لقد كنا على وشك المغادرة لأننا يأسنا من البحث”، قلت له.
كان سائق السيارة لطيفًا جدًا معنا، يدعى “اريكن”، وهو تركي الأصل، أسس والده الجزء التركي في المقبرة، وكانت صورته معلقة في المكتب حيث أخذنا، ويبدو أنه خلف والده بعد وفاته وهو كما يبدو مسؤولاً عن المقبرة ويعرف كل أجزاءها ومعالمها، ولكنه لا يعرف موقع ضريح ناجي العلي ولا يعرف من يكون!

*230190 أم ماذا؟*

في المكتب قابلنا “جون”، متخصص بالتاريخ وهو يعمل في المقبرة أيضًا، مسؤولاً عن الأرشيف والنواحي التاريخية للمقبرة، كتبت لـ “جون” اسم ناجي العلي باللغة الانكليزية ورقم الضريح (230190) وها هو يجده بسهولة في سجلاته على الحاسوب، لكن هناك يظهر بجانب هذا الرقم اسم اخر، حسين، قال لي “اريكن” ربما له اسم اخر”، قلت بسذاجة “ربما”، فقد كنتُ متأكدة من الرقم لأنه يظهر في عدة مواقع على شبكة الانترنت، ومن بينها الموقع الرسمي لناجي العلي. ذهب “جون” وأحضر الخرائط ليُحدد موقع الضريح الذي يحمل رقم 230190، بعد وقت لا بأس به من المداولات بين “جون” و”اريكن”، والتي بدا منها أنهم لا يستطيعون تحديد الموقع بالضبط، طلب “اريكن” من “جون” إحضار الخرائط والانضمام إلينا في رحلة البحث من جديد عن ضريح رقم 230190، في اكبر مقبرة في اوروبا (على حد قول “اريكن” و”جون”). قالوا أنهم يعرفون في أي جزء موجود ولكنهم غير متأكدين من المكان المحدد.
شعرنا أنا وأخي أن إيجاد الضريح بات مهمة تاريخية ومسؤولية وطنية من الدرجة الاولى! ولكن، دعوني أكون جدية أكثر، لقد أثارت هذه الحالة حزني، فهنا في المقبرة، لا يعرفون شيئاً عن ناجي العلي، لا يعرفون من هو وأين يقع ضريحه، لا شيء عن أهميته، أعماله أو تاريخه، لا يعرفون أنه أُدرج ضمن أفضل عشرة رسامي كاريكاتير في العالم. لا شيء. كل ما قاله “اريكن” أنه يعتقد بأنه سمع عنه وأنه كان “مناضلاً من اجل الحرية”. لا أقلل من أهمية هذا التعريف، ولكن “اريكن” قالها فقط بعد أن شرحت له من هو ناجي العلي. حزنت حين أخبرنا بأنه لا يأتي لزيارته الكثيرون، ولكن من سيأتي الى زيارته في هذا المكان النائي، والذي يصعب الوصول إليه؟ حزنت أيضًا لأنه على شبكة الانترنت ليست هناك معلومات صحيحة وواضحة حول كيفية الوصول إلى الضريح.
في الطريق إلى هناك، أصر “اريكن” أن يأخذنا لرؤية شيء ما، لم نفهم لكننا لم نمانع، لقد أدخلنا إلى المقبرة العسكرية وهي جزء كبير جدًا وتملأه المقابر المرتبة ترتيباً مبالغاً به، يخبرنا “اريكن” بانها اكبر مقبرة عسكرية في بريطانيا وانها اسست عام 1917، اثناء الحرب العالمية الاولى. كان هناك تدريب عسكري لتشييع جثمان جندي بريطاني قتل في افغانستان، “الجنازة العسكرية ستجري غداً”، شرح لنا اريكن، لكنهم يتدربون على المراسم اليوم، كانوا ستة جنود يحملون تابوتاً (مليئاً بالحجارة ومغطى بالعلم البريطاني) ويمشون بخطىً عسكرية على رنات صوت قائدهم الذي كان يمشي وراءهم، نزلنا من السيارة وتبعناهم، وصل الجنود إلى مكان قبر الجندي، واستمروا في التدريب على انزال التابوت وطوي العلم وغيرها وسط مزاح ونكات قائدهم وقهقهاتهم المتصاعدة، كان مشهداً سريالياً وعبثياً، كل ما أردته هو زيارة ضريح ناجي العلي، لنصف ساعة، لا، لربع ساعة، لخمس دقائق، وها أنا أشاهد تدريباً لمراسم دفن جندي بريطاني قتل في افغانستان!
أخذنا “اريكن” و”جون” إلى المكان، وخلال لحظات سمعت أخي يصرخ بأنه وجده، وأخيراً وجدناه، فرح كلاهما لانجازهم المهمة التي بدت لنا مستحيلة، وفرحنا نحن أكثر. ها هو الضريح، عليه اسم ناجي العلي (لا حسين ولا بطيخ)، “ناجي العلي، الشجرة- فلسطين 1936- استشهد في لندن 29/8/1987”. واكتشف اربعتنا بان رقم الضريح هو 230191 وليس 230190، قلت “لاريكن” مازحة: “آسفة على هذا الخطأ، لا تعتب علي، بل على شبكة الانترنت”. حتى علم فلسطين الذي كتب الكثيرون بأنه يرفرف فوق ضريحه ليس هناك.

*الشجرة تنتظرك*

تركنا “اريكن” و”جون” للتأمل، ليس قبل أن يقدم “اريكن” توصية لـ”جون” بتعليم هذا الضريح على الخريطة وفي سجلاته، أولا لأهميته وكذلك لإيجاده بسهولة في المرة القادمة التي يأتي أحدهم للسؤال عنه.
بعد قضاء بعض الوقت أمام الضريح ووضع الزهور، والحديث بيني وبين أخي عن ناجي العلي، تاريخه وأعماله، قال أخي: “فلنتمنى له أن يُنقل ضريحه يوماً إلى الشجرة في فلسطين”. تذكرت حينها مقولة ناجي العلي “الطريق إلى فلسطين ليست بالبعيدة ولا بالقريبة، إنها بمسافة الثورة”، “ترى، كم هي مسافة الثورة؟”، تساءلت. غادرنا الضريح متتبعين ارشادات “اريكن” و”جون” للوصول إلى محطة القطار، والتي اكتشفنا بأنها تبعد دقيقتين لا أكثر عن ضريح ناجي العلي ويمر منها القطار المسافر الى لندن. نظرنا أنا وأخي أحدنا للآخر وضحكنا، قبر ناجي يبعد دقيقتين عن محطة قطار “بروك وود”، ونحن ذهبنا الى محطة “ووكنغ” لانني ببساطة اتبعت المعلومات التي حصلت عليها في الانترنت. لقد استغرقت رحلتنا 4 ساعات إلى أن وصلنا إلى الضريح بينما كان بإمكاننا الوصول إليه خلال أقل من ساعة. وبالرغم من عناء الرحلة، إلا أن الوصول للضريح جعلنا ننساه ونضحك على “النحس” الذي واكب هذه الرحلة.
على الرغم من انني لا اقدس الموت والمقابر والاضرحة ولا اقدس الرموز، الا ان هذه الزيارة كانت بالنسبة لي حدثاً خاصاً، ومشهداً عبثياً، تجتاحه مفارقة لا يمكنني تجاهلها، فكلانا فلسطيني، احدنا لاجئ والآخر ما زال في وطنه، احدنا ميت والآخر حي، وكلانا نلتقي في مقبرة نائية في لندن، انا ساعود قريباً الى بلدتي، الناصرة، وهو، لا احد يعلم متى سيتمكن من العودة الى بلدته، الشجرة.

(لندن)

Author: abirkopty

Palestinian social, feminist and political activist.

One thought on “رحلة رقم 230190 او 230191 الـى ضـريـح نـاجـي العـلــي

  1. دمعت وانا اقرأ
    انا في زيارته الى لندن و بحثت في جووجل فوجدت مدونتك
    شكرا لكل المعلومات
    لعلي أزوره اليوم

    تحياتي

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s